فوزي آل سيف
11
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
الجهة الأولى: اصطناع أحاديث -عن رسول الله صلى الله عليه وآله- فيها ذم لعلي بن أبي طالب عليه السلام وتصفه بصفات سيئة، كهذا الحديث: "من أراد أن ينظر إلى رجلين يموتا على غير سنتي فلينظر إلى هذا الفج"([38]) ([39]). واضع الحديث يقول: فنظرنا فإذا هو علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب قد خرجا من ذلك المكان([40]). فعلي والعباس يموتان على غير سنة رسول الله إلى غيرها من الأحاديث الموضوعة!! الجهة الثانية: وضع أحاديث في فضل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فقد ذكر علي بن محمد المدائني [ت: 244هـ] المؤرخ المعروف([41]) أنه بعدما استتب الأمر لمعاوية بث في الأفاق أنّ يضعوا أحاديث في فضل الخليفة الثالث عثمان بن عفان فجاءت أحاديث كثيرة في فضله. وبعد مدة من الزمن اتضح لمعاوية أن الأحاديث المروية في فضل عثمان قد كثرت، ويخشى أن يفتضح، فتم توزيعها على بقية الصحابة. فواضع الحديث كان يضع وينسب الأحاديث المروية كخصائص ثابته لأمير المؤمنين أو عمار أو سلمان لغيرهم، فهكذا بدأ إنتاج الوضع على لسان رسول الله لأحاديث في فضل الصحابة. ولعله من هنا بدأت نطفة (نظرية عدالة الصحابة) حيث الثناء عليهم وتزكيتهم وعدالتهم، وأنهم على درجات عالية([42])، ليس كسائر البشر فإن الخلائق لو أتوا بأعمالهم مقابل عمل واحد لصحابي لرجح على أعمال الخلائق. فذاك الصديق وذاك الشهيد وذاك الأمين وذاك كاتب الوحي وغيرها، ولكن معاوية وبني أمية لم يكونوا مقتنعين بفكرة عدالة الصحابة، فواقعهم يدل على ذلك فمن يقول بأن الصحابة كلهم عدول لا يتهجم على أبي ذر الغفاري، ولا يحارب الإمام علي عليه السلام باعتباره أحد الصحابة، ولا يقتل عَمراً بن الحمق الخزاعي، ولا يطارد حجراً بن عدي، ولا يطرد أبا الدرداء الذي رأى معاوية بن أبي سفيان يبيع سقاية من ذهب أو وِرق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا، فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض([43]). استمرت هذه النظرية في الصعود والنزول والأمويون لم يكونوا متضررين بهذه الفكرة وليسوا مستفيدين منها، لأن لم يبق من الصحابة إلى ما بعد عام [65هـ] فجميعهم إما توفوا أو قتلوا، وإن آخر من تبقى من أصحاب الرسول أبو الطفيل الكناني [ت: 100هـ] وهو أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام الخلص.
--> 38 ) مجمع الزوائد للهيثمي: ج1، ص112. 39 ) الفج: أي إلى هذه الجهة. 40 ) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد [ت: 656هـ] ج4، ص64، والنص الوارد في الكتاب هو التالي: (أن عروة [بن الزبير] زعم أن عائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل العباس وعلي، فقال: (يا عائشة، إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا)، فنظرت، فإذا العباس وعلي بن أبي طالب). 41 ) له تصانيف كثيرة منها: (خطب النبي) صلى الله عليه وآله. وكتاب (خطب علي وكتبه إلى عماله) وكتاب (من قتل من الطالبيين) وكتاب (الفاطميات)، ومن المؤسف أن كتبه قد أتلفت، ولم يبق سوى ما نقله بعض المحدثين عنه كابن أبي الحديد صاحب كتاب (شرح نهج البلاغة) حيث روى عنه الكثير من الأحداث. 42 ) راجع: تهذيب التهذيب لابن حجر: ج1، ص16. يقول أبو حاتم الرازي [ت: 327هـ]: وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه. فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع.. ففقهوا الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده.. وشرفهم الله عز وجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر وسماهم عدول الأمة. 43 ) انظر: سنن النسائي: ج7، ص279، وغيره.